الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

242

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 146 - 148 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 146 إلى 148 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) عطف على قوله : وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ [ آل عمران : 144 ] الآية وما بينهما اعتراض ، وهو عطف العبرة على الموعظة فإنّ قوله : وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ موعظة لمن يهمّ بالانقلاب ، وقوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ عبرة بما سلف من صبر أتباع الرسل والأنبياء عند إصابة أنبيائهم أو قتلهم ، في حرب أو غيره ، لمماثلة الحالين . فالكلام تعريض بتشبيه حال أصحاب أحد بحال أصحاب الأنبياء السالفين لأنّ محلّ المثل ليس هو خصوص الانهزام في الحرب بل ذلك هو الممثل . وأمّا التّشبيه فهو بصير الأتباع عند حلول المصائب أو موت المتبوع . « وكأيّن » كلمة بمعنى التكثير ، قيل : هي بسيطة موضوعة للتكثير ، وقيل : هي مركّبة من كاف التّشبيه وأي الاستفهامية وهو قول الخليل وسيبويه ، وليست ( أيّ ) هذه استفهاما حقيقيّا ، ولكنّ المراد منها تذكير المستفهم بالتكثير ، فاستفهامها مجازي ، ونونها في الأصل تنوين ، فلمّا ركّبت وصارت كلمة واحدة جعل تنوينها نونا وبنيت . والأظهر أنّها بسيطة وفيها لغات أربع ، أشهرها في النثر كأيّن بوزن كعيّن ( هكذا جرت عادة اللغويين والنحاة إذا وزنوا الكلمات المهموزة أن يعوّضوا عن حرف الهمزة بحرف العين لئلا تلتبس الهمزة بالألف أو الياء الّتي تكتب في صورة إحداهما ) ، وأشهرها في الشعر كائن بوزن اسم فاعل كان ، وليست باسم فاعل خلافا للمبرّد ، بل هي مخفّف كأيّن . ولهم في كيفية تخفيفها توجيهات أصلها قول الخليل لمّا كثر استعمالها تصرّف فيها العرب بالقلب والحذف في بعض الأحوال . قلت : وتفصيله يطول . وأنا أرى أنّهم لمّا راموا التّخفيف جعلوا الهمزة ألفا ، ثمّ التقى ساكنان على غير حدّه ، فحذفوا الياء الساكنة فبقيت الياء المكسورة فشابهت اسم فاعل ( كان ) فجعلوها همزة كالياء الّتي تقع بعد ألف زائدة ، وأكثر ما وقع في كلام العرب هو كاين لأنّها أخف في النظم وأسعد بأكثر الموازين في أوائل الأبيات وأواسطها بخلاف كائن ، قال الزجاج : اللغتان الجيّدتان كايّن وكائن . وحكى الشّيخ ابن عرفة في تفسيره عن شيخه ابن الحباب قال : أخبرنا شيخنا أحمد بن